

بعد أن أنهت الفتاة العام الدراسي جلست في البيت فظروف والدها المادية لا تسمح للعائلة بالسفر، لذا وجدت الفتاة ضالتها في غرف الدردشة، حيث كانت تتحين خروج والدها إلى العمل لتبدأ هي الحديث مع أي شخص يقابلها في تلك الغرف.
كانت والدتها تعرف ما تقوم به ابنتها وكثيراً ما حاولت أن توقفها عن تصرفاتها هذه، لكن الفتاة كانت تقول لوالدتها ان هذا مجرد كلام وأنها لا ترى أي واحد من الشباب الذين تتحدث معهم وأنهم لا يرونها وأنها كثيراً ما تعطيهم معلومات خاطئة عنها وأنهم بالمقابل يعطونها معلومات كاذبة عنهم وأن الأمر مجرد تمضية للوقت ليس إلاّ.
لاحظت الفتاة أن شاباً بدأ يهتم بها كثيراً فبادلته الشعور ذاته وبعد مرور فترة من الزمن اقتصرت محادثاتها إلى غرف الدردشة عليه فقط. وكانت المحادثات بين الفتاة والشاب تستمر لساعات، وكلما زادت الساعات كلما زاد شوق كل واحد منهما إلى الآخر.
أراد الشاب أن يرى الفتاة وكذلك هي ولكن لكونها لا تخرج وحدها لذا طلبت من والدتها أن تذهبا معاً إلى أحد المراكز التجارية في الوقت الذي اتفق الشاب والفتاة أن يلتقيا في المركز ذاته على أن يتعرفا على بعضهما البعض من خلال الهواتف النقالة، فعندما دخلت الفتاة إلى أحد محلات الملابس اتصلت بالشاب لتخبره بأنها في المحل (..........) وهكذا التقيا لأول مرة.
رغم أن اللقاء كان من دون كلام إلاّ أنه كان حاراً جداً، فقد أعجب كل واحد منهما بالآخر، وكأنه يعرفه منذ سنين. استمرت علاقة الشاب بالفتاة لمدة سنة ونصف السنة توطدت العلاقة بينهما بشكل كبير، ولكن لم يكن هناك لقاء بشكل منفرد، لذا ولكي يتمكن العاشقان من اللقاء من دون قيود قرر الشاب أن يسكن في العمارة التي تسكن فيها صديقته. كانت هده فكرة جيدة للغاية، فقد أصبح الشاب يلتقي بها كل صباح وهي ذاهبة إلى المدرسة، حيث كان المصعد يجمعهما معاً.
موعد على العشاء
في أحد الأيام اتصل الشاب بالفتاة ودعاها لأن تأتي إلى شقته لتناول العشاء معه، إلاّ أن الفتاة رفضت ذلك قائلة بأنها لا تستطيع أن تخرج بعد المدرسة إلاّ مع أحد أفراد أسرتها. ألاّ أن الشاب أقنعها أنه بالإمكان القول إنك تريدين أن تذهبي لزيارة صديقتك أو أنك تريدين أن تذهبي إلى «السوبر ماركت» المجاور، واعداً إياها بأنه لن يدعها تتأخر عنده حتى لا يسبب لها أية مشكلات.
كانت الفتاة ترغب في الذهاب لزيارته، لكنها كانت خائفة من عواقب تلك الزيارة، كأن يراها أحد أفراد أسرتها أو الجيران. لكن الشاب بقي يُلح عليها طالباً منها أن تزوره ولو لدقائق، وأخيراً استجمعت الفتاة كل قوتها وشجاعتها وذهبت لزيارته.
كانت هذه الزيارة بداية لزيارات أخرى، فقد اطمأنت الفتاة إلى الشاب، حيث انه لم يضايقها أثناء زيارتها له، كما أنه كان يتركها تغادر شقته متى تشاء حتى لا تتأخر في العودة إلى أسرتها، فيبدأون التحقيق معها لماذا تأخرتِ ومن أين أتيتِ.. إلخ.....
في أحد الأيام أخبرها الشاب بأنه مريض وأنه لن يذهب إلى العمل وطلب منها أن تترك المدرسة قبل الوقت المحدد وتأتي لزيارته. خافت الفتاة في البداية إلاّ أنها في الوقت ذاته تريد الاطمئنان عليه في مرضه، خاصة وأنه لا يوجد معه أحد من أسرته.
عملت الفتاة ما طلبه منها الشاب واستأذنت قبل انتهاء المدرسة وعادت إلى حيث تسكن، ولكن بدلاً من أن تذهب إلى شقة أسرتها قادتها قدماها إلى شقة الشاب الذي كان ينتظرها بفارغ الصبر. كان اللقاء بينهما حميمياً خرجت الفتاة منه فاقدة عذريتها، عندما عادت الفتاة إلى بيت أسرتها كانت مصابة بذهول كبير، فلم يستطع عقلها أن يستوعب ما حدث وكيف حدث ولماذا حدث؟
أحست الفتاة بأنها مخنوقة وكأن ثقلاً كبيراً يطبق على صدرها، خاصة وأنها غير قادرة على مصارحة أحد من أهلها بما حدث، فهي تعرف ماذا سيكون عليه الحال لو عرف والدها ذلك. فكرت أن تخبر والدتها لعلها تجد لها حلاً لكنها كانت خائفة أن يصل الخبر لوالدها، اتصلت بالشاب تشكو له حالتها السيئة، لكنه طمأنها بأنه لن يتركها وحدها وأنه سيتصرف.
ورغم أن هذه الكلمات مطمئنة إلاّ أنها بقيت خائفة، لذا طلبت منه أن يتقدم لطلب يدها، خاصة أنه موظف في بنك ويستطيع أن يفتح بيت ويعيل أسرة. جدد الشاب وعده لها بأنه لن يتركها تواجه هذه المشكلة وحدها وأنه المسؤول عنها وسيصلح خطأه عن قريب.
بدأ الشاب يطلب منها أن تأتي إلى شقته وعندما كانت ترفض كان يغضب منها ولا يرد على هاتفها أو المحادثة معها عبر «الإنترنت». كانت الفتاة تعيش في بحر من الحيرة، فهي تريد أن ترضيه حتى يتقدم لطلب يدها وفي الوقت ذاته لا تريد أن يتكرر الخطأ الذي وقعت فيه، حتى لا يصبح عادة، فيجد الشاب نفسه بعد فترة غير راغب فيها.
كانت الأيام تمر ثقيلة عليها، حتى أنها لم تعد تهتم إلى مذاكرتها وبدأت علاماتها تتراجع، كما أنها كانت تعيش في ذهول كبير. وأخيراً صارحت صديقتها المقربة منها وأخبرتها عن كل شيء.
التهرب
بدأت الفتاة تُلح على الشاب أن يتقدم لطلب يدها ليحميها من الفضيحة، إلاّ أنه بدأ يتهرب من وعوده، حاولت الفتاة أن تذهب إليه لتتحدث معه وجهاً لوجه حول هذه القضية، إلاّ أنه لم يستجب لها حتى أنه لم يعد يفتح لها باب الشقة.
قامت صديقة الفتاة بمسعى من جانبها حيث ذهبت إلى الشاب في البنك وطلبت منه أن يُصلح غلطته مع صديقتها، فوعدها بأنه سيفعل ذلك قريباً جداً. بعد أسبوعين عادت الصديقة إلى مقابلة الشاب في البنك إلاّ أنه اعتذر لها بحجة أنه مشغول، لكنه وعدها بأنه سيتصل بها ليتفق معها على كل التفاصيل بشأن الفتاة.
انتظرت الصديقة طويلاً، وأخيراً اتصل بها الشاب وبدأ يغازلها محاولاً الإيقاع بها، إلاّ أنها أوقفته وهددته بأنه إذا لم يتقدم لخطبة صديقته فإنها ستُخبر مدير البنك الذي يعمل فيه وسينهي خدماته. إلاّ أن هذا التهديد جاء بنتائج سلبية، فالشاب يعرف بأن الفتاة وصديقتها غير قادرتين على تهديده، وذلك حتى لا تعرف أسرة الفتاة بأي شيء عن هذه القضية.
وهكذا استمرت الفتاة تعيش مأساتها دون أن يقف أحد إلى جانبها. في أحد الأيام بينما كانت تقف على الشرفة شاهدت الشاب يأتي بسيارة نقل، فعرفت بأنه ينوي أن يترك العمارة وأنه جاء ليأخذ أثاث شقته. حاولت أن تكلمه عند المصعد، لكنها لم تتمكن، فقد كان معه بعض العمال، كما أنها لم تستطع أن تذهب إلى شقته في ذلك الوقت لتستوضح منه لماذا يتصرف معها بهذه الطريقة.
بدأت الفتاة تفكر أن تقابله بأية طريقة، فاتصلت بصديقتها تطلب منها النصيحة، فقالت ان فكرة لقائه ووضع النقاط على الحروف أمر جيد. انتظرت الفتاة حتى منتصف الليل وهنا قررت أن تذهب للقاء الشاب لإقناعه لآخر مرة أن يتقدم لطلب يدها حاولت أن تتسلل من الباب.
لكنها وجدت بأن الأمر صعب، فقد يسمع صوت فتح وإغلاق الباب والدها أو والدتها أو أحد إخوانها، لذا فكرت بطريقة أخرى وهي أن تربط عدداً من شراشف السرير بعضها ببعض وأن تثبتها في طرف سريرها ثم تتدلى من شباك غرفتها نحو شُرفة شقته.
بدَ الأمر صعباً، لكنها قررت أن تفعل الصعب وأن تقابله لتتحدث معه حول مستقبلها الذي دمره بطيشه وطيشها. ربطت الفتاة الشراشف بشكل جيد حتى لا تنقطع فتكون نهايتها. أمسكت بالشراشف وبدأت تنزل من شقتها من الدور السادس إلى شقة الشاب بالدور الرابع.
كانت المسافة لا تزيد على ستة أمتار بين الشقتين لكن الفتاة رأتها كأنها ستة أميال، عندما وصلت إلى الدور الخامس أحست بأن الشراشف بدأت تتخزق، لكن لم يكن أمامها خيار، فهي لا تستطيع أن تصعد إلى شقتها وليس أمامها إلاّ الاستمرار في النزول، لعلها تصل إلى شرفة الدور الرابع حيث يسكن الشاب.
قبل أن تصل إلى الدور الرابع تمزقت الشراشف كلياً، حاولت الفتاة أن تصمد، لكنها لم تتمكن فقد كان ثقلها أكبر من أن تتحمله تلك الشراشف. وفجأة دوى صوت صراخ مزق سكون الليل في العمارة، كان هذا الصوت هو صوت الفتاة وهي تهوي من الطابق الرابع إلى الأرض.
خرج السكان منزعجين وكانت المفاجأة المذهلة وغير السارة فقد وجدوا الفتاة ملقاة على الأرض، هرع الجميع لمساعدتها والاتصال بالشرطة، حيث حضرت دورية الشرطة ومعها سيارة إسعاف وطاقم طبي، تم نقل الفتاة إلى المستشفى حيث كانت في غيبوبة كاملة، إلاّ أنها كانت لا تزال تتنفس.
بذل الأطباء جهوداً مضنية من أجل إنقاذها، أما والدها فقد أصيب بصدمة، وكذلك والدتها وإخوانها، فالكل كان يتساءل لماذا تصرفت بهذه الطريقة إلاّ أنهم لم يجدوا جواباً. حاول ضابط التحقيق أن يعرف شيئاً من أسرة الفتاة لعله يفك الغموض الذي يحيط بالأحداث، خاصة وأن الضابط أصبح متأكداً ان العملية ليست انتحاراً، لأنها لو كانت تريد الانتحار لما ربطت شراشف السرير كي تتدلى من شباك غرفتها باتجاه الأسفل.
في اليوم الثاني ذهب الضابط إلى المستشفى لعله يستطيع التحدث إلى الفتاة، إلاّ أنه أصيب بخيبة أمل عندما عرف من الطبيب أن الفتاة فارقت الحياة بسبب كسور في الجمجمة والقفص الصدري والعمود الفقري. بدأ الضابط يبحث هنا وهناك لعله يجد خيطاً يوصله إلى فك رموز هذه القضية، لكنه لم يتوصل إلى شيء.
أما الشاب فقد انتقل إلى عمارة ثانية ولم يعد يعرف عن الموضوع شيئاً لأنه لا يريد أن يعرف شيئاً. أما صديقة الفتاة فقد كانت تعيش في صراع، فهي من ناحية تريد أن تخبر الشرطة حتى ينال الشاب جزاءه، ومن ناحية ثانية لا تريد أن تكشف سر الفتاة حتى لا ينصدم والدها بتصرفات ابنته.
وأخيراً جاءت صديقة الفتاة مع والدها إلى الضابط وأخبرته بكل شيء. عندما ذهب الضابط إلى شقة الشاب لم يجد فيها أحداً، عندها ذهب إلى البنك وجده هناك. في غرفة التحقيق روى الشاب كل القصة للضابط، لكنه نفى علمه بأن الفتاة كانت تريد أن تزوره في تلك الليلة التي ماتت فيها.
تم حجز الشاب على ذمة القضية، أما والد الفتاة فقد كان يمشي في طرقات مركز الشرطة وهو يكلم نفسه غير مصدق ما حدث لابنته، وعندما وجه إليه الضابط بعض الأسئلة، كان يقول ماذا أقول للناس.. كيف سأواجه الناس. عاد الضابط يسأله لكن الرجل استمر يحدث نفسه وكأنه فقد عقله، فكل ما كان يقوله هو ماذا أقول للناس.. كيف سأواجه الناس؟!
من هو المسئوول هنا في قصتنا والتي حدثت بالفعل
ومن اين يأتي الخلل الحقيقي
اسأل الله ان يحمي بناتتنا وابنائنا ويرشدهم الي السبيل الصحيح
|