zwani.com myspace graphic comments
Myspace Thanks for the Add Comments
قلمي

قلمي

1 أكتوبر 2008 - كارت العيد

في القسم اسلامي

التعليقات (0) الرابط

18 أغسطس 2008 - قالو عن التسامح

في القسم اسلامي

 

 

مبدأ التسامح ... في حياة وسلوك شيخ الإسلام ابن تيمية

قيل: ( من ثمارهم تعرفهم، هل تجني من الشوك عنباً ، أم من العوسج تيناً ) ؟!
( ما هو التسامح ؟ إنه نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية ، إننا جميعاً من نتاج الضعف ، كلنا هشّون وميالون للخطأ ، ولذا دعونا نسامح بعضنا البعض ونتسامح مع جنون بعضنا البعض بشكل متبادل).
رينيه ديكارت
" الأخلاق والتسامح والفلسفة، كم كان رائعاً في أحلامه، في فلسفته، في تأملاته، لكننا صدمنا من ثماره الكاشفة والمعرية للكلمات الزائفة. هيلانة" فتنتج ثمر الخطية ابنة غير شرعية ؟! جان جاك روسو" لقد استحوذت على كثير من الناس بإنجيل الحرية (العقد الاجتماعي) وإنجيل التربية ( إميل) لكن فجعتني وآلمتني وأثرت عجبي في (اعترافاتك ) !! فولتير) : ( أنك تدعو إلى الجهالة والعصور المتوحشة، ولو أطاعك الناس لصاروا حيوانات تسير على أربع) ! الثمار) . ( التسامح مع الآخر ... في حياة وسلوك شيخ الإسلام ابن تيمية ) فالتسامح أمر عظيم ولمعرفة عظمته نريد أن نتعرف على مكانته في حياة وسلوك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . شيخ الإسلام يدرك أن الاختلاف أمر طبيعي بل حتمي في هذه الكون، وهذه سنة إلهية ، حيث بيّن الله سبحانه وتعالي أن الناس في اختلاف ، وأنهم لا يزالون كذلك ، وأن الخلاف لا يعرف أحقيته أو بطلانه من كثرة الأعداد أو قلتها ، وأن الحق لا يرتبط بالأشخاص ولا بالدول ولا بالمؤسسات ، والحق أصيل وقديم ، وهو الغالب ، بالكلمة والحجة والبرهان ، وأن الحق لا يحتاج إلى أشخاص يجيدون الشتائم والسباب ، وأن الحق لا يريد إقصاء الآخر ، ولا إلغاء شخصه، ولا الانتقام منه ، بل الحوار معه ، في جو يكفل المساواة في الفرص والإمكانات ، وكما أن الحق ظاهر فإنه لا يزال في صراع ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها . ..

 نقول :
وضع ابن تيمية قاعدة للتسامح في حياته السلوكية والعملية ، هذه القاعدة هي مقولته المشهورة :
" أحللت كل مسلم عن إيذائه لي"

ولأن ابن تيمية رجل يقول الخير ويفعله، ويؤسس التسامح ويمارسه، لذلك وجدنا حياته كلها صورة صادقة وتعبير دقيق لهذا القاعدة، إنها فلسفة الثمار التي يؤمن بها .

ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة مختصرة بعنوان ( الاستغاثة) وهي رسالة علمية بالأدلة الشرعية في حكم الاستغاثة، وكان الأليق بالعلماء الذين يختلفون معه أن يتصدوا لمثل هذه المسألة بالدليل والبرهان العلمي بعيداً عن التكفير والحكم بالزندقة والشتائم والسباب.
ما هو موقف شيخ الإسلام من هذا الرجل الذي كفره وحكم عليه بالزندقة ثم وثب عليه وضربه ونتش أطواقه ؟

كان شيخ الإسلام - رحمه- من أكثر العلماء الجهابذة الذين تعرضوا لأذى الحساد من الأقران ، ولكنه كان من ألطف الناس وأرحمهم بالخصوم.

(
اجتمع عليه عصبُ الفقهاء والقضاة بمصر والشام ، وحشدوا عليه خيلهم ورجلهم، فقطع الجميع، وألزمهم الحجج الواضحات أيّ إلزام ، فلما أفلسوا أخذوه بالجاه والحكام ) .
نصر المنبجي" والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير تلميذ المنبجي ، وجماعة من الفقهاء والعلماء ، الذين ناصروا الحاكم بيبرس في انقلابه ضد السلطان ناصر بن قلاوون.
إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء الأفاضل!) القاضي ابن مخلوف " أحدهم ولما أفرج عنه قال عن ابن تيمية : ما رأيت كريماً واسع الصدر مثل ابن تيمية فقد أثرنا الدولة ضده، ولكنه عفا عنا بعد المقدرة، حتى دافع عن أنفسنا وقام بحمايتنا، حرضنا عليه فلم نقدر عليه ، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا )... هذا هو ابن تيمية، هذه هي أخلاقه مع خصومه !
الإنسان في الغالب يفرح إذا سمع بموت أحد خصومه، وأحيانا يتشفى بذلك !
لكن ابن تيمية يختلف عن هؤلاء .. لقد ُبلغ يوماً بوفاة أشد خصومه عداوة له وهجوماً عليها، بُلغ ذلك عن طريق أقرب تلاميذه له، والذي بلغه وهو فرح بذلك.

( كان يدعو لأعدائه، ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت إليه يوماً أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس في إيذائه وعدائه، فزجرني، وأعرض عني، وقرأ : "إنّا لله وإنا إليه راجعون" وذهب لساعته إلى منزله، فعزى أهله، وقال : " اعتبروني خليفة له ، ونائباً عنه، وأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه" وتحدث معهم بلطف وإكرام بعث فيهم السرور، فبالغ في الدعاء لهم حتى تعجبوا منه) .

أنعم الله على شيخ الإسلام بنفسية تسامحية عجيبة جداً قل أن تجدها عن غيره من العلماء، فما كان يحمل في قلبه غلاً ولا حسداً ولا حقداً على أحد، بل ولا على خصومه .
ابن مخلوف
موقف العداء ورماه بكل قوس في جعبته، وأثار عليه العوام والحكام وأصدر ضده الأحكام والفتاوى التي أثارت الفتنة بين الناس، وابن تيمية صابر محتسب يقابل السيئة بالحسنة، ولم يحمل في نفسه حقداً ولا بغضاً لهذا الرجل. ( وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها، وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله له، ولا أعين عليه عدوه قط، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه نيتي وعزيمتي، مع علمي بجميع الأمور فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عوناً للشيطان على أخواني المسلمين).
هذه النفسية التسامحية العظيمة عن ابن تيمية، أثرت عليه كثيراً حينما يتناول الطوائف والفرق المخالفة، فابن تيمية باحث عن الحق، ومن مهمة الباحث العلمي أن يعري ويكشف حقائق الأفكار وزيفها وصدقها، لأنه يقوم بمهمة علمية يفترض فيه الأمانة مع العدالة.
( كثيراً منهم ليسوا منافقين ولا كفاراً، بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يغفر له خطاياه، ومنهم من هو صاحب ذنب يرجى له مغفرة الله) . ( والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد).
( وينبغي أيضاً أن يعلم أنه ليس كل ما ينكره بعض الناس عليهم يكون باطلاً، بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعضهم، والصواب مع من وافقهم ). أنه مع مخالفتهم نصروا الإسلام في مواطن كثيرة وردوا على الكفار والملاحدة بحجج عقلية .
( لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال : اشهد عليّ أني لا أكفر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قلت - أي الذهبي - : وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم).

هذا التسامح العظيم الذي كان يتحلى به ابن تيمية كان له الأثر العظيم في الناس، ولذلك أحبه الناس حباً عظيماً، وتعلقوا به، وكانوا لا يرون به بديلاً رحمه الله . ( وسائر العامة تحبه، لأنه منتصب لنفعهم ليلاً ونهاراً، بلسانه وقلمه) .
(كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، فيهب ذلك بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه، لا يأخذ من شيئاً إلا ليهبه، ولا يحفظه إلا ليذهبه).
( كان يتصدق حتى إذا لم يجد شيئاً نزع بعض ثيابه فيصل به الفقراء)!! ( كان يتفضل من قوته الرغيف والرغيفين، فيؤثر بذلك على نفسه)!
( وكنا إذا اشتد الخوف وساءت الظنون، وضاقت بنا الأرض بما رحبت، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب عنّا ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة).

( والله ما يبغض ابن تيميه إلا جاهل أو صاحب هوى ، فالجاهل لا يدري ما يقول ، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به ) .

*
( ماذا يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنتي وبستاني في صدري ، أين رحت فهي معي لا تفارقني ، أنا حبسي خلوة ، وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة ) . وحين عرضه لهذا الحديث : ( إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، أو تذمهم على مالم يؤتك الله). : ( من عبدالله وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله في إخلاص الدين له، ومن طلب من العباد العوض، ثناءً، أو دعاءً أو غير ذلك لم يكن محسناً إليهم لله، ومن خاف الله فيهم، ولم يخفهم في الله كان محسناً إلى الخلق وإلى نفسه، ومن خافهم ولم يخف الله فهو ظالم لنفسه ولهم، حيث خاف غير الله ورجاه، لأنه إذا خاف دون الله احتاج أن يدفع شرهم عنه بكل وجه، إما بمداهنتهم ومراءاتهم ، وإما بمقابلتهم بشيء أعظم من شرهم أو مثله، فتجد هذا الضرب كثير الخوف من الخلق، كثير الظلم إذا قدر، مهين ذليل إذا ُقهر، فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك وهذا مما يوقع الفتن بين الناس ) .
( إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) .

إن الشجرة الطيبة تطرح ثماراً طيبة ، والشجرة الخبيثة تطرح ثماراً خبيثة ، ولكنك أيها القراء الفطن لأي شجرة تقصد ، وتحت أيهما تستظل ، وأي الثمار تأكل ؟

لا شك أن مبدأ التسامح عظيم، لأننا كلنا أهل خطأ، ونحتاج كثيراً إلى من يصفح عنًا ويحلم علينا، ليصنع لنا بذلك معروفاً ندين له به أبداً، والحقيقة أنني متى ما رأيت أن خصمي يراني خبيثاً وشريراً وكافراً أو رجعيّ ظلامي مستبد ، فإني وتلقائياً استبد برأيي واستبدل ريشة القلم بسيف بتار أضرب به عنق الآخر ، ومتى ما رأيت كلمات التسامح والصفح والمحبة من الآخر كلما أحسست بعظمة الإحسان الذي تملكني، هذا هو لسان كل إنسان.

كلنا نخطئ ، كلنا نذنب ، كلنا يحتاج إلى مغفرة ، وكم قسونا وكما تجاوزنا الحدود ، والذي يبقى في النهاية بكل تأكيد هو التسامح.

والحقيقة أن التسامح متى ما كان أقوالاً لا تدعمها السلوكيات، ومواعظ وكلمات لا تبرهن عليها الأفعال، كان التسامح ضرباً من ضروب التدجيل والزيف لترويج البضائع اللفظية، إنه من السهل - يا سادتي - أن ننمق الكلمات والعبارات ونرصف بها شوارع الأوراق، ونزيف بها رسومات فنية جميلة، لكنها في النهاية تبقى حبيسة الإطار، ومسجونة في حدود الألفاظ الزائفة، إن القانون الحقيقي لكلمة التسامح هي : الثمرة السلوكية العملية في الحياة، نعم .. من ثمارهم تعرفهم، هل تجني من الشوك عنباً ، أم من العوسج تيناً، ما أسهل التبشير باسم التسامح والعدل، لكن الثمار الشوكية العملية تفضح وتعري وتكشف هذا التبشير المزوق المزور!

لقد قال الفيلسوف ( فوليتر ) يوماً :

يالها من كلمات جميلة، أنا سأقولها، وستقولها أنت ، وستقولينها أنت بالطبع ، كلنا سنقولها بإعجاب وبترنم عذب، لكن الثمار ستكشفنا جميعاً وتعرينا وترهقنا كثيراً، لأننا وقّعنا على ورقة شيك بها مبلغ عظيم لا نستطيع سداده ، إنه التسامح !

لقد تعلم الناس يوماً ما من زعيم العقلانية الأوروبية، والأب الروحي للفلسفة الحديثة "

لقد تعلم الناس منك أيها الفيلسوف "ديكارت" الأخلاق والتسامح والفضيلة، ولكن لما نراك تخون تعاليمك المقدسة يوم مارست الخطية مع أعز أصحابك الذين خدموك بإخلاص وتفاني، فها أنت تخونهم وتشي بهم حتى أوقعتهم في المصائب !

هل هذا من الأخلاق والتسامح يا سيادة الفيلسوف؟

لمَ أراك تخوف الأخلاق مع خادمتك "

أيها الفيلسوف "

هل أنت حقاً من صف الكلمات في إنجيل التربية إميل ؟!

عجباً لك ..لم يكن لك أيّ حظ من التربية الخلقية ألبتة في حياتك، فأنت تعترف بنفسك أنك تسرق الخمر من معلم النقش، وتكذب بغير مبرر، وتعمل كل ما ينافي التربية والأخلاق!

لقد ظهرت في سلوكك متناقضاً، فكثيراً ما استقبحت ما كنت تحسنه، واستحسنت ما كنت تستقبحه، هاجمت الأغنياء، مع أنك كنت تلهث تحت فتات موائدهم وكان لهم الحظ الأوفر في حياتك ونجاحك!

لقد قال عنك يوماً (

أعلم أن قضية التسامح معضلة وليست بالهينة ولذلك لا نستغرب أن استعصت على كبار الفلاسفة من زمن إيرازموس إلى زمن جون لوك إلى ستيورات ميل !

يالها من فلسفة رائعة فاضحة كاشفة معرية تلك الفلسفة المعروفة بفلسفة (

بعد هذه المقدمة التي أردت منها تثبيت حقيقة مهمة وهي : أن حقيقة ومصداقية القيم والأخلاق والتعاليم تعرف بمدى تمسك وسلوك أصحابها بها ، ولذا جاء مقالي هذا بعنوان

لست بحاجة للتعريف بشخص ابن تيمية والعصر الذي عاش فيه رحمه الله، وما تعرض له من عداء وهجوم وسجن وتعذيب واعتداء، وكيف كان رحمه الله يقابل ذلك بتسامح وعفو وصفح .

لقد كان

ولولا قيمة هذا الصراع لما أوجده الله ، فالله سبحانه وتعالى لا يوجد - إطلاقا - شرا محضا ، ولا يوجد في مخلوقات الله شرور معدومة الخيريّة بوجه من الوجوه ، بل لا توجد مصيبة ولا شر، كموت الأنبياء ، والصالحون ، أو انتكاسة من انتكس ، أو زوال مظهر من مظاهر الخير ، إلا وفيه خير ظاهر أو باطن علمه من علمه وجهله من جهله ، فلله الحكمة البالغة كما له الحجة البالغة ، ولو شاء لهدى الناس جميعا ، ولكن الحياة أرض بلاء ومحك اختبار ، ودار عمل ، فمن شاء فليقدم لنفسه من الأعمال والأقوال ما ستنفعه يوم القصاص الأكبر .

لكن العجيب من مواقف التسامح أن تكون في موقف القوة والغلبة، وأن يكون لك الحق، فإذا تسامحت مع من ظلمك وهو تحت سطوتك، كنت حقاً متسامحاً كريم الخلق والنفس.

ولبيان منهج ابن تيمية في التسامح

(1) قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية العامة في التسامح .

لقد كان لسان حال شيخ الإسلام مع أعدائه : من ضاق صدره عن مودتي، وقصرت يده عن معونتي كان الله في عونه وتولى جميع شؤونه، وإن كل من عاداني وبالغ في إيذائي لا كدر الله صفو أوقاته ولا أراه مكروهاً في حياته، وإن كل من فرش الأشواك في طريقي، وضيق عليّ السبل، ذلل الله له كل طريق وحالفه النجاح والتوفيق.

(2) التطبيق العملي لقاعدة التسامح التيمية .

بعض الأمثلة العملية لتسامح ابن تيمية :

(أ) موقف ابن تيمية من خصمه علي بن يعقوب البكري الصوفي .

لكن الشيخ الصوفي علي البكري كان رده على هذه الرسالة بالحكم على شيخ الإسلام ابن تيمية بالكفر والزندقة والخروج عن ملة الإسلام!

ولم يكتف الشيخ الصوفي البكري - عفا الله عنا عنه - بمجرد التكفير بل بالغ في إيذاء ابن تيمية بالقول والعمل، فقد قام باستعداء العوام على الشيخ وحرض الجند وأصحاب الدولة على شيخ الإسلام وشهر به وأقذع الشتيمة في حقه .

وكان الشيخ الصوفي البكري من أشد الصوفية على شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي محنة الشيخ مع الصوفية سنة 707هـ حول قضية الاستغاثة طالب بعضهم بتعزير شيخ الإسلام، إلا أن الشيخ البكري طالب بقتله وسفك دمه!

وفي سنة 711هـ تجمهر بعض الغوغاء من الصوفية بزعامة الشيخ البكري وتابعوا شيخ الإسلام ابن تيمية حتى تفردوا به وضربوه، وفي حادثة أخرى تفرد البكري بابن تيمية ووثب عليه ونتش أطواقه وطيلسانه، وبالغ في إيذاء ابن تيمية !

في المقابل تجمع الناس وشاهدوا ما حل بشيخ الإسلام من أذية وتعدي فطلبوا الشيخ البكري فهرب، وُطلب أيضاً من جهة الدولة فهرب واختفى، وثار بسبب ما فعله فتنة، وحضر جماعة كثيرة من الجند ومن الناس إلى شيخ الإسلام ابن تيمية لأجل الانتصار له والانتقام من خصمه الذي كفره واعتدى عليه .

والسؤال هنا :

حينما تجمع الجند والناس على ابن تيمية يطالبون بنصرته وأن يشير عليهم بما يراه مناسباً للانتقام من خصمه البكري الصوفي؛ أجابهم شيخ الإسلام بما يلي :

" أنا ما أنتصر لنفسي " !!

فماج الناس والجند وأكثروا عليه وألحوا في طلب الانتقام؛ فقال لهم :
" إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله ، فإن كان الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني؛ وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء ومتى يشاء".

ولما اشتد طلب الدولة للبكري وضاقت عليه الأرض بما رحبت هرب واختفى عند من ؟

هرب واختفى في بيت ابن تيمية وعند شيخ الإسلام لما كان مقيماً في مصر، حتى شفع فيه ابن تيمية عن السلطان وعفا عنه!!

فانظر أيها القارئ إلى عظيم تسامح هذا الإنسان العظيم، فالبكري قابله بالظلم والتكفير والاعتداء والعدوان والبهتان، وابن تيمية قابله بالعفو والإحسان والكرم ، إن في ذلك آية عظيمة لكل منصف سليم القلب .

(ب) موقف ابن تيمية من خصومه الذين تسببوا في سجنه وطالبوا بقتله .

يقول " ابن فضل الله العمري " :

فبعد أن وشى به بعض العلماء وكذبوا عليه وألّبوا الحكام والأمراء عليه وتزلفوا لدى الكبراء في ابن تيمية؛ سُجن وعذب ، وتولى كِبر ذلك الجُرم الشيخ الصوفي "

ولكن شاء الله أن تزول أمارة بيبرس ويضم السلطان ناصر بن قلاوون دمشق ومصر إلى حكمه ، ولم يكن همّ السلطان إلا الإفراج عن شيخ الإسلام المسجون ظلما وزوراً .

فأخرجه معززاً مكرماً مبجلاً ، ويصل الشيخ إلى البلاط الملكي فيقوم له السلطان تكريماً واحتراماً ويضع يده بيد ابن تيمية ويدخلان على كبار علماء مصر والشام ... !

ويختلي السلطان ناصر قلاوون بشيخ الإسلام ابن تيمية ويحدثه عن رغبته في قتل بعض العلماء والقضاة بسبب ما عملوه ضد السلطان وما أخرجه بعضهم من فتاوى بعزل السلطان ومبايعة بيبرس، وأخذ السلطان يحث ابن تيمية على إصدار فتوى بجواز قتل هؤلاء العلماء، ويذكره بأن هؤلاء العلماء هم الذين سجنوه وظلموه واضطهدوه وأنها حانت الساعة للانتقام منهم !

وأصر السلطان ناصر بن قلاوون على طلبه من شيخ الإسلام كي يخرج فتاوى في جواز قتلهم !

فماذا كــــــان رد ابن تيميــــــــة ؟

هل وجدها فرصة للتنفيس عن أحقاده وخصوماته ؟

كلا ... فنفس الكريم أرفع وأطهر من ذلك ، لقد قام ابن تيمية بتعظيم هؤلاء العلماء والقضاة ، وأنكر أن يُنال أحد منهم بسوء، وأخذ يمدحهم ويثني عليهم أمام السلطان وشفع لهم بالعفو والصفح عنهم ومنعه من قتلهم ، فقال للسلطان :

(فيرد عليه السلطان متعجبا متحيراً : لكنهم آذوك وأرادوا قتلك مرارا ؟!

فقال ابن تيمية: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي !

وما زال ابن تيمية بالسلطان يقنعه أن يعفو عنهم ويصفح، حتى استجاب له السلطان فأصدر عفوه عنهم وخلى سبيلهم !!

إنها النفوس الكبيرة - يا سادة - هي التي تستطيع أن تتجاوز أحقادها ومواقفها الشخصية وتمارس العظمة بكل معانيها .

لقد شهد له كبير خصومه ومن الذين هاجموه وآذوه ، شهد له بعد عمله التسامحي الفريد الذي عمله معهم أثناء غضب السلطان ناصر بن قلاوون عليهم ، لقد كان قاضي المالكية "(

(ج) موقف ابن تيمية من بعض خصومه لما بلغه وفاتهم .

فماذا كان موقف شيخ الإسلام ابن تيمية ؟

يقول عنه تلميذه البار الإمام الحافظ ابن قيم الجوزية :

الله أكبر ... من يطيق ما تطيقه يا ابن تيمية ؟!

(3) النفسية التسامحية عند ابن تيمية تجاه خصومه .

فلما وقف منه

يقول ابن تيمية معبراً عن نفسيته المتسامحة :

وقال في رسالة كتبها وهو في السجن إلى تلاميذه ومحبيه يتحدث عن خصومه الذين تسببوا في دخوله السجن ومصادرة كتبه : ( أنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم وأن يفتح لهم من معرفة الله وطاعته والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات) .

وقال عن خصومه : ( وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمن الخير ما أحبه لنفسي).

(4) النفسية التسامحية وتأثيرها في العدل والإنصاف .

ومع ما يوصف به ابن تيمية من الحدة والقوة في الجدل، إلا أنه أنصف أشد الطوائف عداء له، وأشدها بعداً عن المعقول والمنقول .

فحينما تناول شيخ الإسلام طائفة الشيعة بالنقد والتحليل، لمن يمنعه العداء والرد والنقض أن ينصف ويعدل مع هؤلاء الذين يراهم على باطل، ونصوصه في ذلك أكثر من أن تحصى، لكن منها على سبيل البيان والمثال :

يقول وهو يتحدث عن طائفة الشيعة الإمامية :

وقال :

وقال منصفاً الشيعة :

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن لهم جهوداً في دعوة الكفار إلى الإسلام فدخل على أيديهم خلق كثير من الكفار.

وقال عن المعتزلة :

وقد عاب شيخ الإسلام على الإمام ابن فورك الأشعري تكفيره للمعتزلة وتأليب الحكام عليهم، يقول ابن تيمية عنه : ( وقصد بنيسابور القيام على المعتزلة في استتابتهم وكما كفرهم عند السلطان، ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد، بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره فإنما هو ظالم لنفسه).

وقال عن الأشاعرة مع مخلفته لهم في كثير من الأصول والفروع:

( إنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم).

وكان رحمة الله يتحرج كثيراً من تكفير الأشخاص ، يقول الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي نقلاً عن زاهر السرخسي أنه قال :

(5) النفسية التيمية التسامحية وأثرها الجميل على الناس.

يقول ابن عبد الهادي :

وكان رحمه متواضعاً للعامة والخاصة ، للكبير والصغير، للرجال والنساء، للأمراء والحقراء، كثير السلام على العامة والخاصة، يزور المرضى ويتفقد أحوالهم ، كان مجلسه مفتوحاً لكل أحد ، وقلبه يسع الكل، وخصاله أكثر من أن نحصرها هنا .

قال عنه الإمام الحافظ بن فضل الله العمري وهو ممن عاصر شيخ الإسلام ابن تيميه :

ويقول أيضاً عنه :

وقال عنه أحد من عاصره :

وكان أثره عظيماً على تلاميذه، فهو القدوة الحسنة، وهو المربي بسلوكه وأقواله، وهو المؤمن الزاهد العابد، وهو العالم المتيقن ، وهو الذي يفزع إليه الناس في حقائق أمورهم وخواص شؤونهم.

يقول عنه تلميذه الإمام ابن قيم الجوزية :

وصدق الشيخ السبكيّ - أحد خصومه السابقين - حينما قال :

(6) من أقول ابن تيميه المهمة .

*

قال

(7) النفسية التيمية التسامحية في آخر لحظاتها.

كاد له خصومه مرة أخرى وأدخلوه السجن ، ففرح بخلوته بالله وطلبه العلم ، ولكن كانت أكبر مصيبة حلت على شيخ الإسلام طلب بعض القضاة بأن تصادر كتبه وأقلامه ، فكبر ذلك عليه وعز أن تفارقه أقلامه ودفاتره، فكتب بالفحم على الجدران، لكنه مرض بسبب فقده لكتبه وزاد وجعه .

وأخبر صديقه وصاحبه في السجن الشيخ عبدالله الزرعي وفي آخر لحظاته في هذه الحياة الدنيا وهو في السجن البارد الضيق : أنه سامح جميع أعدائه وحللهم من عداوته وسبّه !

ثم تفرغ لتلاوة القرآن وختمه ثمانين مرة ووصل عن قوله تعالى :

ثم أشدت علته، وفارق الدنيا وهو سجين، بعيداً عن أقلامه دفاتره !

رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية وأسكنه فسيح جناته وجمعنا به في مستقر رحمته…

 

 

 

 

التعليقات (3) الرابط

17 أغسطس 2008 - فائده الصيام

في القسم اسلامي

 

فائده الصيام

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات (6) الرابط

16 أغسطس 2008 - بمناسبه رمضان الكريم "قرآن فلاش"

في القسم اسلامي
رمضان علي الابواب
كل عام وانتم جميعا والامه الاسلاميه بخير
اعاده الله عليكم باذن الله باليمن والبركات
وتقبل الله طاعاتكم
اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، وترد بها الفتن عني، وتصلح بها ديني، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهم أعطني إيماناً صادقاً ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة.
لتحميل قران فلاش مع التجويد من هنــــــــا
انشره لتعم الفائده

التعليقات (2) الرابط

13 فبراير 2008 - قصه سيدنا هود عليه السلام

في القسم اسلامي
التعليقات (1) الرابط

14 يناير 2008 - تذكر السبع وردات

في القسم اسلامي

 

 

التعليقات (6) الرابط

12 يناير 2008 - قصه سيدنا نوح عليه السلام

في القسم اسلامي

 

 

التعليقات (1) الرابط

10 يناير 2008 - سيدنا ادريس عليه السلام

في القسم اسلامي

 

 

 

إدريس عليه السلام
 
ملخص قصةإدريس عليه السلام
‏كان صديقانبيا ومن الصابرين، أول نبي بعث في الأرض بعد آدم، وهو أبو جد نوح، أنزلت عليه ثلاثون صحيفة، ودعا إلى وحدانية الله وآمن به ألف إنسان، وهو أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبسها، وأول من نظر في علم النجوم وسيرها.
 
قال تعالى في سورة )مريم):
وَاذْكُرْفِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا(56)وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا

إدريس عليه السلام هو أحدالرسل الكرام الذين أخبر الله تعالي عنهم في كتابة العزيز، وذكره في بضعة مواطن منسور القرآن، وهو ممن يجب الإيمان بهم تفصيلاً أي يجب اعتقاد نبوته ورسالته على سبيل القطع والجزم لأن القرآن قد ذكره باسمه وحدث عن شخصه فوصفه بالنبوة والصديقية. نسبةهو إدريس بن يارد بن مهلائيل وينهي نسبة إلى شيث بن آدم عليه السلام واسمه عندالعبرانيين (خنوخ) وفي الترجمة العربية (أخنوخ) وهو من أجداد نوح عليه السلام.

إدريس عليه السلام هو أول بني آدم أعطي النبوة بعد (آدم) و(شيث) عليهما السلام، وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم، وقد أدرك من حياة آدم عليه السلام 308 سنوات لأن آدم عمر طويلاً زهاء 1000 ألف سنة كما مر في قصته عليه السلام.
وقد أختلف العلماء في مولده ونشأته، فقال بعضهم إن إدريس ولد ببابل، وقال آخرون إنه ولد بمصر والصحيح الاول، وقد أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، ولما كبر آتاه الله النبوة فنهي المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة (آدم) وشيث) فأطاعه نفر قليل، وخالفه جمع خفير، فنوى الرحلة عنهم وأمر من أطاعه منهم بذلك فثقل عليهم الرحيل عن أوطانهم فقالوا له، وأين نجد إذا رحلنا مثل (بابل) فقال إذا هاجرنا الله رزقنا غيره، فخرج وخرجوا حتى وصلوا إلى أرض مصر فرأوا النيل فوقف على النيل وسبح الله، وأرقام إدريس ومن معه بمصر يدعو الناس إلى الله وإلى مكارم الأخلاق.
وقد كانت مدة إقامة (إدريس) عليه السلام في الأرض (82) سنة ثم رفعه الله إليه كما قال تعالي (ورفعناه مكاناً عليا) وكانت له مواعظ وآداب فقد دعا إلى دين الله، وإلى عبادة الخالق جل وعلا، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة، بالعمل الصالح في الدنيا وحض على الزهد في هذه الدنيا الفانية الزائلة، وأمرهم بالصلاة والصيام والزكاة وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة، وحرم المسكر من كل شي من المشروبات وشدد فيه أعظم تشديد وقيل إنه كان في زمانه 72 لساناً يتكلم الناس بها وقد علمه الله تعالي منطقهم جميعاً ليعلم كل فرقة منهم بلسانهم. وهو أول من علم السياسة المدنية، ورسم لقومه قواعد تمدين المدن، فبنت كل فرقة من الأمم مدناً في أرضها وانشئت في زمانه 188 مدينة وقد اشتهر بالحكمة فمن حكمة قوله، (خير الدنيا حسرة، وشرها ندم ) وقوله (السعيد من نظر إلى نفسه وشفاعته عند ربه أعماله الصالحة) وقوله الصبر مع الإيمان يورث الظفر.

 

 

التعليقات (2) الرابط

9 يناير 2008 - قصه سيدنا آدم عليه السلام

في القسم اسلامي

 

 

 

آدم  عليه السلام
 
ملخص قصة آدم عليه السلام
‏أبو البشر،خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء وخلق له زوجته وأسكنهما الجنةوأنذرهما أن لا يقربا شجرة معينة ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله إلى الأرض ومكن لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله وحده وحض الناس على ذلك،وجعله خليفته في الأرض، وهو رسول الله إلى أبنائه وهو أول الأنبياء
 
انصرفت مشيئة الله تعالىإلى خلق آدم.. قال الله تعالى وتبارك للملائكة:
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً 
اختلف الناس في معنىخلافة آدم.. فمن قائل إنه خليفة لجنس سبق على الأرض، وكان هذا الجنس يفسد فيهاويسفك الدماء.. ومن قائل إنه كان خليفة لله تعالى، بمعنى أنه خليفة في إمضاء أحكامه وأوامره، لأنه أول رسول إلى الأرض.. وهذا ما نعتقده..سأل أبوذر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عن آدم: أنبيا كان مرسلا؟ قال: نعم.. قيل: لمن كان رسولا ولم يكن في الأرض أحد؟ قال: كان رسولا إلىأبنائ.
يبين لنا الله تعالى بداية الأمر بقوله جل من قائل:
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
وهذه آراء بعد المفسرين في هذه الآية.
قال تفسير المنار: إن هذه الآيات من المتشابهات التي لا يمكن حملها على ظاهرها، لأنها بحسب قانون التخاطب إما استشارة من الله تعالى، وذلك محال عليه تعالى. وإما إخبار منه سبحانه للملائكة واعتراض منهم وجدال، وذلك لا يليق بالله تعالى ولا بملائكته، واقترح صرف معنى القصة لشيء آخر.
وقال تفسير الجامع لأحكام القرآن: إن الله تعالى كان قد أخبر ملائكته أنه إذا جعل في الأرض خلقا أفسدوا وسفكوا الدماء، وحين قال تعالى:
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً 
قالوا أهذا هو الخليفة الذي حدثتنا عن إفساده في الأرض وسفكه للدماء، أم خليفة غيره؟ وقال تفسير "في ظلال القرآن": إن الملائكة بفطرتهم البريئة التي لا تتصور إلا الخير والنقاء قد حسبوا أن التسبيح بحمد الله وتقديسه هو الغاية المطلقة للوجود، وهذه الغاية متحققة بوجودهم هم، وسؤالهم يصور دهشتهم ولا يعبر عن اعتراض من أي نوع.
رأينا كيف اجتهد كل واحد من المفسرين لكشف الحقيقة. فكشف الله لكل واحد فيهم عمقا منها.. وإنما أوقع في الحيرة عمق القرآن.. وتقديم القصة بأسلوب الحوار، وهو أسلوب بالغ التأثير والنفاذ. إن الله تعالى يحكي لنا القصة بأسلوب الحوار، وليس من الضروري أن تكون قد وقعت بنفس هذا الأسلوب.. ألا ترى أن الله تعالى يقول في سورة (فصلت):
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ
هل يتصور أحد من الناس أن الله عز وجل قد خاطب السماء والأرض، وردت عليه السماء والأرض ووقع بينهما هذا الحوار..؟ إنما يأمر الله تعالى السماء والأرض فتطيع السماء والأرض. وإنما صور الله ما حدث بأسلوب الحوار لتثبيته في الذهن، وتأكيد معناه وإيضاحه.
لذلك نرى أن الله تعالى حين قرر خلق آدم، حدث ملائكته من باب إعلامهم كي يسجدوا له، لا من باب أخذ رأيهم أو استشارتهم.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. حدثهم الله تعالى أنه سيجعل في الأرض خليفة، وأن هذا الخليفة ستكون له ذرية وأحفاد، وأن أحفاده وذريته سيفسدون في الأرض، ويسفكون فيها الدماء. وقامت الحيرة في نفوس الملائكة الأطهار. إنهم يسبحون بحمد الله، ويقدسون له.. والخليفة المختار لن يكون منهم، فما هو السر في ذلك؟ ما هي حكمة الله تبارك وتعالى في الأمر؟ لم تستمر حيرة الملائكة وتشوقهم إلى شرف الخلافة في الأرض ودهشتهم من تشريف آدم بها، لم يستمر هذا الحوار الداخلي طويلا.. ثم ردهم إلى اليقين والتسليم قوله تعالى:
إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
وبهذه الإشارة إلى علمه المحيط وعلمهم القاصر عاد التسليم واليقين.
نستبعد وقوع الحوار بين الله تعالى وملائكته تنزيها لله، وإكبارا لملائكته.. ونعتقد أن الحوار قام في نفوس الملائكة لحمل شرف الخلافة في الأرض.. ثم أعلمهم الله تعالى أن طبيعتهم ليست مهيأة لذلك ولا ميسرة له. إن التسبيح بحمد الله وتقديسه هو أشرف شيء في الوجود ولكن الخلافة في الأرض لا تقوم بذلك وحده، إنما هي تحتاج إلى طبيعة أخرى. طبيعة تبحث عن المعرفة وتجوز عليها الأخطاء.
هذه الحيرة أو هذه الدهشة أو هذا الاستشراف.. هذا الحوار الداخلي الذي ثار في نفوس الملائكة بعد معرفة خبر خلق آدم.. هذا كله يجوز على الملائكة، ولا ينقص من أقدارهم شيئا، لأنهم، رغم قربهم من الله، وعبادتهم له، وتكريمه لهم، لا يزيدون على كونهم عبيدا لله، لا يشتركون معه في علمه، ولا يعرفون حكمته الخافية، وغيبه المستور، وتدبيره في الخفاء، ولا يعرفون حكمته العليا وأسباب تحقيقها في الأشياء.
ولسوف تفهم الملائكة فيما بعد أن آدم نوع جديد من المخلوقات، فهو يختلف عنهم في أن عمله لن يكون تسبيح الله وتقديسه، ولن يكون مثل حيوانات الأرض وكائناتها، يقتصر وجوده على سفك الدماء والإفساد فيها.. إنما سيكون آدم نوعا جديدا من المخلوقات. وستتحقق بوجوده حكمة عليا لا يدريها أحد غير الله. وتلك حكمة المعرفة.. قال الله تعالى:
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
قرأها ابن عباس "إلا ليعرفون".. فكأن المعرفة هدف النوع الإنساني وغاية وجوده. وسوف يبين لنا الله بأسلوب الحوار كيف كان ذلك.
ولعل اجمل اقتراب من تفسير هذه الآيات كلمة الشيخ محمد عبده.. "إن الحوار في الآيات شأن من شئون الله تعالى مع ملائكته.. صوره لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة والسؤال والجواب، ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول، ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا نحن البشر.."
أدركت الملائكة أن الله سيجعل في الأرض خليفة.. وأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إليهم تفصيلا، فقال إنه سيخلق بشرا من طين، فإذا سواه ونفخ فيه من روحه فيجب على الملائكة أن تسجد له، والمفهوم أن هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا يكون إلا لله وحده.. قال تعالى في سورة (ص):
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ
جمع الله سبحانه وتعالى قبضة من تراب الأرض، فيها الأبيض والأسود والأصفر والأحمر، ولهذا يجيء الناس ألوانا مختلفة.. ومزج الله تعالى التراب بالماء فصار صلصالا من حمأ مسنون. تعفن الطين وانبعثت له رائحة.. وكان إبليس يمر عليه فيعجب أي شيء يصير هذا الطين؟ من هذا الصلصال خلق الله تعالى آدم.. سواه بيديه سبحانه، ونفخ فيه من روحه سبحانه.. فتحرك جسد آدم ودبت فيه الحياة.. فتح آدم عينيه فرأى الملائكة كلهم ساجدين له.. ما عدا واحدا يقف هناك.. لم يكن آدم قد عرف أي نوع من المخلوقات هذا الذي لم يسجد له.. لم يكن يعرف اسمه.. كان إبليس يقف مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم.. كان من الجن.. والمفروض، بوصفه أقل من الملائكة، أن تنطبق عليه الأوامر التي تصدر لهم.
حكى الله تعالى قصة رفض إبليس السجود لآدم في أكثر من سورة.. قال تعالى في سورة (ص):
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78)قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (80)إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
إن حجة إبليس التي أوردها الله في آيته هذه تثير العجب فعلا.. إنه يتصور أن النار أفضل من الطين.. فمن أين جاءه هذا العلم، والمفروض أن يكون هذا العلم عند الله، فهو الذي خلق النار والطين ويعرف أيهما أفضل..؟
أدرك آدم من الحوار أن إبليس مخلوق يتصف باللؤم كما يتصف بالجحود. إنه يسأل الله تعالى أن يبقيه إلى يوم البعث، لا يريد إبليس أن يموت، غير أن الله تعالى يفهمه أنه سيبقى إلى يوم الوقت المعلوم.. سيبقى إلى أن يحين أجله فيموت.. أدرك آدم أن الله قد لعن إبليس ، وطرده من رحمته بسببه، أدرك أن إبليس لن ينسى له هذا الصنيع.. انتهى الأمر وعرف آدم عدوه الأبدي.. وأدهشت آدم بعض الدهشة جرأة عدوه وحلم الله عز وجل؟؟
ربما قال لي قائل: لماذا استبعدت أن يكون قد جرى حوار بين الله عز وجل وملائكته.. ولجأت إلى تأويل الآيات، ولم تستبعد وقوع حوار بين الله تعالى وإبليس؟ وأقول ردا على ذلك: إن العقل يهدي لهذه النتيجة.. إن إمكان قيام حوار بين الله وتعالى وملائكته أمر مستبعد، لأن الملائكة منزهون عن الخطأ والقصور والرغبات البشرية التي تبحث عن المعرفة. انهم بحكم خلقهم، جند طائعون مكرمون.. أما إبليس فهو خاضع للتكليف، وطبيعته، بوصفه من الجن، قريبة من طبيعة جنس آدم.. بمعنى أن الجن يمكن أن يؤمنوا، ويمكن أن يكفروا.. إن وجدانهم الديني يمكن أن يسوقهم إلى تصور خاطئ يسند كبرياء كاذبة.. ومن هذا الموقع وبحكم هذا التكوين، يمكن أن ينشأ حوار.. والحوار يعني الحرية، ويعني الصراع. ولقد كانت طبيعة البشر والجان مركبة بشكل يسمح لهم بالحرية، ويسمح لهم بالصراع. أما طبيعة الملائكة فمن لون آخر لا تدخل الحرية في نسيجه.
إن إبليس رفض أن يسجد لآدم.. كان الله تعالى يعلم أنه سيرفض السجود لآدم.. سوف يعصاه.. وكان الله يستطيع أن ينسفه نسفا، أو يحيله إلى حفنة من التراب، أو يخنق بعزته وجلاله كلمة الرفض في فم إبليس.. غير أن الله تعالى يعطي مخلوقاته المكلفة قدرا من الحرية لا يعطيه غيره أحدا.. إنه يعطيهم حرية مطلقة تصل إلى حق رفض أوامره سبحانه.. إنه يمنحهم حرية الإنكار وحرية العصيان، وحرية الاعتراض عليه.. سبحانه وتعالى. لا ينقص من ملكه أن يكفر به الكافرون، ولا يزيد من ملكه أن يؤمن به المؤمنون، إنما ينقص ذلك من ملك الكافرين، أو يزيد في ملك المؤمنين.. أما هو.. فتعالى عن ذلك.. فهم آدم أن الحرية نسيج أصيل في الوجود الذي خلقه الله.. وأن الله يمنح الحرية لعباده المكلفين.. ويرتب على ذلك جزاءه العادل.
بعد درس الحرية.. تعلم آدم من الله تعالى الدرس الثاني.. وهو العلم.. كان آدم قد أدرك أن إبليس هو رمز الشر في الوجود، كما أدرك أن الملائكة هم رمز الخير، أما هو نفسه فلم يكن يعرف نفسه حتى هذه اللحظة.. ثم أطلعه الله سبحانه وتعالى على حقيقته، وحكمة خلقه، وسر تكريمه.. قال تعالى:
وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا 
أعطاه الله تعالى سر القدرة على اختصار الأشياء في رموز ومسميات. علمه أن يسمي الأشياء: هذا عصفور، وهذا نجم، وهذه شجرة، وهذه سحابة، وهذا هدهد، وهذه …، إلى آخر الأسماء. تعلم آدم الأسماء كلها. الأسماء هنا هي العلم.. هي المعرفة.. هي القدرة على الرمز للأشياء بأسماء.. غرس الله في نفس آدم معرفة لا نهاية لها، وحبا للمعرفة لا نهاية له، ورغبة يورثها أبناءه في التعلم.. وهذه هي الغاية من خلق آدم، وهذا هو السر في تكريمه.
بعد أن تعلم آدم أسماء الأشياء وخواصها ومنافعها، بعد أن عرف علمها، عرض الله هذه الأشياء على الملائكة فقال:
أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
(يقصد صادقين في رغبتكم في الخلافة).. ونظر الملائكة فيما عرض الله عليهم، فلم يعرفوا أسماءه.. واعترفوا لله بعجزهم عن تسمية الأشياء أو استخدام الرمز في التعبير عنها.. قال الملائكة اعترافا بعجزهم: سُبْحَانَكَ (أي ننزهك ونقدسك)، لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (ردوا العلم كله إلى الله).
قال الله تعالى لآدم:
يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ 
وحدثهم آدم عن كل الأشياء التي عرضها الله عليهم ولم يعرفوا أسمائها.
قال تعالى في سورة (البقرة):
وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ (31) صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ
أراد الله تعالى أن يقول للملائكة إنه علم ما أبدوه من الدهشة حين أخبرهم أنه سيخلق آدم، كما علم ما كتموه من الحيرة في فهم حكمة الله، كما علم ما أخفاه إبليس من المعصية والجحود.. أدرك الملائكة أن آدم هو المخلوق الذي يعرف.. وهذا أشرف شيء فيه.. قدرته على التعلم والمعرفة.. وعرف الملائكة لماذا أمرهم الله بالسجود له.. كما فهموا السر في أنه سيصبح خليفة في الأرض، يتصرف فيها ويتحكم فيها.. بالعلم والمعرفة.. معرفة بالخالق.. وهذا ما يطلق عليه اسم الإيمان أو الإسلام.. وعلم بأسباب استعمار الأرض وتغييرها والتحكم فيها والسيادة عليها.. ويدخل في هذا النطاق كل العلوم المادية على الأرض.
إن نجاح الإنسان في معرفة هذين الأمرين (الخالق وعلوم الأرض) يكفل له حياة أرقى.. فكل من الأمرين مكمل للآخر.
كان آدم يحس الوحدة.. ونام آدم يوما ما فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة تحدق في وجهه بعينين جميلتين ورحيمتين.. وربما دار بينهما هذا الحوار:
قال آدم: لم تكوني هنا قبل أن أنام.
قالت: نعم.
قال: جئت أثناء نومي إذن؟
قالت: نعم
قال: من أين جئت…؟
قالت: جئت من نفسك.. خلقني الله منك وأنت نائم.. ألا تريد أن تستعيدني إليك وأنت مستيقظ؟
قال آدم: لماذا خلقك الله؟
قالت حواء: لتسكن إلي.
قال آدم: حمدا لله.. كنت أحس الوحدة
سألته الملائكة عن اسمها. قال إن اسمها حواء.. سألوه: لماذا سميتها حواء يا آدم؟
قال آدم: لأنها خلقت مني.. وأنا إنسان حي
وأصدر الله تعالى أمره لآدم بسكنى الجنة. قال تعالى في سورة (البقرة):
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ
لا نعرف مكان هذه الجنة. سكت القرآن عن مكانها واختلف المفسرون فيها على خمسة وجوه. قال بعضهم: إنها جنة المأوى، وأن مكانها السماء. ونفى بعضهم ذلك لأنها لو كانت جنة المأوى لحرم دخولها على إبليس ولما جاز فيها وقوع عصيان. وقال آخرون: إنها جنة المأوى خلقها الله لآدم وحواء. وقال غيرهم: إنها جنة من جنات الأرض تقع في مكان مرتفع. وذهب فريق إلى التسليم في أمرها والتوقف.. ونحن نختار هذا الرأي. إن العبرة التي نستخلصها من مكانها لا تساوي شيئا بالقياس إلى العبرة التي تستخلص مما حدث فيها.

لم يعد يحس آدم الوحدة. كان يتحدث مع حواء كثيرا، ويستمعان لغناء الخلائق وتسبيح الأنهار، وموسيقى الوجود البكر، قبل أن يعرف الوجود معنى الأحزان والآلام. وكان الله قد سمح لهما بأن يقتربا من كل شيء وأن يستمتعا بكل شيء، ما عدا شجرة واحدة. قال الله لهما قبل دخول الجنة:
وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ
وفهم آدم وحواء أنهما ممنوعان من الأكل من هذه الشجرة. غير أن آدم إنسان، والإنسان ينسى، وقلبه يتقلب، وعزمه ضعيف. واستغل إبليس إنسانية آدم وجمع كل حقده في صدره، واستغل تكوين آدم النفسي.. وراح يثير في نفسه يوما بعد يوم. راح يوسوس إليه يوما بعد يوم:
هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى
تسائل أدم بينه وبين نفسه. ماذا يحدث لو أكل من الشجرة ..؟ ربما تكون شجرة الخلد حقا، وكل إنسان يحب الخلود. ومرت الأيام وآدم وحواء مشغولان بالتفكير في هذه الشجرة. ثم قررا يوما أن يأكلا منها. نسيا أن الله حذرهما من الاقتراب منها. نسيا أن إبليس عودهما القديم. ومد آدم يده إلى الشجرة وقطف منها إحدى الثمار وقدمها لحواء. وأكل الاثنان من الثمرة المحرمة. قال تعالى في سورة (طه):
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى
ليس صحيحا ما تذكره صحف اليهود من إغواء حواء لآدم وتحميلها مسئولية الأكل من الشجرة. إن نص القرآن لا يذكر حواء. إنما يذكر آدم -كمسئول عما حدث- عليه الصلاة والسلام. وهكذا أخطأ الشيطان وأخطأ آدم. أخطأ الشيطان بسبب الكبرياء، وأخطأ آدم بسبب الفضول. احتقر أحدهما الإنسان، وأراد الآخر أن يجعل نفسه ندا لله بالخلود.
لم يكد آدم ينتهي من الأكل حتى أحس أن صدره ينقبض. أحس الألم والحزن والخجل. اكتشف أنه عار، وأن زوجته عارية. اكتشف أنه رجل وأنها امرأة. وبدأ هو وزوجته يقطعان أوراق الشجر لكي يغطي بهما كل واحد منهما جسده العاري. وأصدر الله تبارك وتعالى أمره بالهبوط من الجنة.
وهبط آدم وحواء إلى الأرض. خرجا من الجنة. كان آدم حزينا وكانت حواء لا تكف عن البكاء. وكانت توبتهما صادقة فتقبل الله منهما التوبة.. وأخبرهما الله أن الأرض هي مكانهما الأصلي.. يعيشان فيهما، ويموتان عليها، ويخرجان منها يوم البعث.
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
حكى الله تعالى قصة الدرس الثالث الذي تعلمه آدم خلال وجوده في الجنة وبعد خروجه منها وهبوطه إلى الأرض. قال الله تعالى في سورة (طه):
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى(118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى
يتصور بعض الناس أن خطيئة آدم بعصيانه هي التي أخرجتنا من الجنة. ولولا هذه الخطيئة لكنا اليوم هناك. وهذا تصور ساذج لأن الله تعالى حين شاء أن يخلق آدم قال للملائكة: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" ولم يقل لهما إني جاعل في الجنة خليفة. لم يكن هبوط آدم إلى الأرض هبوط إهانة، وإنما كان هبوط كرامة كما يقول العارفون بالله. كان الله تعالى يعلم أن آدم وحواء سيأكلان من الشجرة. ويهبطان إلى الأرض. كان الله تعالى يعلم أن الشيطان سيغتصب منهما البراءة. وكانت هذه المعرفة شيئا لازما لحياتهما على الأرض. وكانت التجربة كلها ركنا من أركان الخلافة في الأرض. ليعلم آدم وحواء ويعلم جنسهما من بعدهما أن الشيطان طرد الأبوين من الجنة، وأن الطريق إلى الجنة يمر بطاعة الله وعداء الشيطان. هل يقال لنا أن الإنسان ميسر مجبور.. وأن آدم كان مجبورا سلفا على أن يخطئ ويخرج من الجنة ويهبط إلى الأرض. حقيقة إن هذا التصور لا يقل سذاجة عن التصور الأول. كان آدم حرا تمام الحرية. ولهذا تحمل تبعة عمله.
عصى وأكل الشجرة فأخرجه الله من الجنة.. معصيته لا تنافي حريته. بل إنها تستمد وجودها الأصلي من حريته. كل ما في الأمر أن الله كان يعلم سلفا ما سيحدث، يعلم الله الأشياء قبل حدوثها، ولكنه لا يدفعها دفعا أو يقهرها قهرا على الحدوث. إن الله يعطي الحرية لعباده ومخلوقاته.
ويرتب على ذلك حكمته العليا في تعمير الأرض وإقامة الخلافة فيها.
فهم آدم الدرس الثالث. فهم أن إبليس عدوه. فهم بشكل عملي أن إبليس هو السبب في فقدانه للنعيم وفي شقائه. فهم أن الله يعاقب على المعصية. وأن الطريق إلى الجنة يمر بطاعة الله. فهم أن الله يقبل التوبة ويعفو ويرحم ويجتبي. علمهما الله تعالى أن يستغفرا قائلين:
قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
وقبل الله توبته وعفا عنه وأرسله إلى الأرض. أول رسول لأبنائه.
بدأت حياة آدم على الأرض. خرج من الجنة مهاجرا إلى الأرض.. واستن بذلك لأبنائه وأحفاده من الأنبياء سنة الخروج.
لا يكاد النبي يبدأ دعوته إلى ربه حتى يضطره قومه إلى الخروج.. والهجرة.
هناك في الجنة خرج آدم قبل نبوته، وهنا في الأرض يخرج الأنبياء بعد نبوتهم عادة.
عرف آدم أنه ودع السلام حين خرج من الجنة.
هنا في الأرض كان عليه أن يواجه شقاء وصراعا لا ينتهي أحدهما إلا ليبدأ الآخر، وكان عليه أن يشقى ليأكل، كان عليه أن يحمي نفسه بالملابس والأسلحة، ويحمي زوجته وأطفاله من الحيوانات والوحوش التي تعيش في الأرض. وكان عليه قبل هذا كله وبعده أن يستمر في صراعه مع روح الشر. إن الشيطان هو السبب في خروجه من الجنة. وهو في الأرض يوسوس له ولأولاده ليدخلهم الجحيم. والمعركة بين الخير والشر لا تتوقف، ومن يتبع هدى الله فلا خوف عليه ولا يحزن. ومن يعص الله، ويتبع المخلوق الناري إبليس فهو معه في النار.
فهم آدم هذا كله مع الشقاء الذي بدأت به حياته على الأرض. الشيء الوحيد الذي كان يخفف حزنه. أنه قد جاء سلطانا عليها. وعليه أن يخضعها، ويستعمرها، ويزرعها ويبنيها ويعمرها، ينجب فيها نسلا يكبرون ويغيرون شكل الحياة ويجعلونه أفضل.
كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا. وفي البطن التالي ابنا وبنتا. فيحل زواج ابن البطن الأول من البطن الثاني.. وكبر أبناء آدم وتزوجوا، وملئوا الأرض نسلا.. ودعاهم آدم إلى الله تعالى.
وقدر لآدم أن يشهد أول انحياز من أحد أبنائه لروح الشر إبليس. وقعت أول جريمة قتل على الأرض. قتل أحد أبناء آدم شقيقه. قتل الشرير أخاه الطيب. قال تعالى في سورة (المائدة):
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ 
يقال أن القاتل كان يريد زوجة شقيقه لنفسه.. وأمرهما آدم أن يقدما قربانا، فقدم كل واحد منهما قربانا، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.
قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَإِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
لاحظ كيف ينقل إلينا الله تعالى كلمات القتيل الشهيد، ويتجاهل تماما كلمات القاتل. عاد القاتل يرفع يده مهددا.. قال القتيل في هدوء:
إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ
 انتهى الحوار بينهما وانصرف الشرير وترك الطيب مؤقتا. بعد أيام.. كان الأخ الطيب نائما وسط غابة مشجرة.. مات في نفس الغابة حمار عجوز فأكلت النسور لحمه وشربت الأرض دمه وبقي فكه العظمي ملقى على الأرض.. حمله الشرير وتوجه نحو شقيقه النائم، ورفع يده وأهوى بها بعنف وسرعة.
ارتج الوجه الطيب حين انبثق منه الدم واستيقظ، كان يحلم وهو نائم وترتسم على شفتيه ابتسامة فغطت دماؤه بسمته.. وعاد القتيل ينهال على شقيقه حتى سكنت حركته.. أدرك القاتل أن شقيقه فارق الحياة.
جلس القاتل أمام القتيل ساكنا مصفر الوجه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل". جلس القاتل أمام شقيقه المضرج في دمه. ماذا يقول لأبيه آدم لو سأل عنه؟ لقد شاهدهما يخرجان معا. فكيف يعود وحده؟ ولو أنكر أمام أبيه أنه قتل شقيقه، فأين يخفي جثته؟ أين يذهب بها؟ كان هذا الأخ القتيل أول إنسان يموت على الأرض.. ولم يكن دفن الموتى شيئا قد عرف بعد. وحمل الأخ جثة شقيقه وراح يمشي بها.. مزق الهواء صوت طائر يصرخ. أفزعته الصرخة وملأت نفسه بشؤم مجهول. التفت القاتل، فوجد غرابا حيا يصرخ فوق جثة غراب ميت. وضع الغراب الحي الغراب الميت على الأرض وساوى أجنحته إلى جواره وبدأ يحفر الأرض بمنقاره ووضعه برفق في القبر ثم صرخ صرختين قصيرتين وعاد يهيل عليه التراب.. بعدها طار في الجو وهو يصرخ.
وقف القاتل وانكفأ على جثة شقيقه.. صرخ:
قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخي
اندلع حزنه على أخيه كالنار فأحرقه الندم. اكتشف فجأة. اكتشف أنه وهو الأسوأ والأضعف، قد قتل الأفضل والأقوى. نقص أبناء آدم واحدا. وكسب الشيطان واحدا من أبناء آدم. واهتز جسد القاتل ببكاء عنيف ثم أنشب أظافره في الأرض وراح يحفر قبر شقيقه. قال آدم حين عرف القصة:
هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ
وحزن حزنا شديدا على خسارته في ولديه. مات أحدهما، وكسب الشيطان الثاني.
صلى آدم على ابنه، وعاد إلى حياته على الأرض: إنسانا يعمل ويشقى ليصنع خبزه. ونبيا يعظ أبنائه وأحفاده ويحدثهم عن الله ويدعوهم إليه، ويحكي لهم عن إبليس ويحذرهم منه. ويروي لهم قصته هو نفسه معه، ويقص لهم قصته مع ابنه الذي دفعه لقتل شقيقه.
وكبر آدم. ومرت سنوات وسنوات.. وعلى فراش من أغصان الشجر والورد يرقد آدم بلحيته البيضاء ووجهه الطيب. أبناؤه جميعا يقفون حوله في انتظار وصيته. وتحدث آدم فأفهم أبناءه أن هناك سفينة واحدة لنجاة الإنسان، وسلاحا واحدا لانتصاره، هذه السفينة هي هدى الله، وهذا السلاح هو كلمات الله.
طمأن آدم أبناءه بأن الله لن يترك الإنسان وحده على الأرض.. إنما سيرسل أنبياءه لهدايته وإنقاذه. وسيختلف الأنبياء في الأسماء والصفات والمعجزات.. ولكنهم سيجمعون على شيء واحد: الدعوة إلى عبادة الله وحده.
وتلك كانت وصية آدم لأبنائه.
انتهى آدم من وصيته وأغمض عينيه، دخل الملائكة حجرته وأحاطوا به وتعرف بينهم على ملك الموت.. وابتسم قلبه للسلام العميق.. وهبت على روحه رائحة أزهار الجنة.

 

التعليقات (6) الرابط

9 يناير 2008 - انبياء الله عليهم السلام

في القسم اسلامي

 

 

 

 

 

 

قصص الأنبياء مرتبتاترتيباً زمنياً ً